← العودة إلى المدونة
Lifestyle

إجازة وحدها بعد الطلاق: الأقصر في فبراير

Feb 04, 2026 • 1 دقيقة قراءة
إجازة وحدها بعد الطلاق: الأقصر في فبراير

حجزت رحلةً إلى الأقصر وحدها بعد ثلاث سنوات من الطلاق. لم تكن تبحث عن شيء. اكتشفت أنّ السفر المنفرد في الخمسين يُرمّم ما لم تنتبه إليه.

ليست هذه قصّة رومانسية. لا رجل في آخرها، لا قصّة حبٍّ في المعبد، ولا طيفٌ يعبر كورنيش النيل عند الغروب. هذه قصّةُ امرأة، اسمها ميّادة، اثنتان وخمسون، من حيّ عبدون في عمّان، قرّرت بعد ثلاث سنواتٍ من طلاقٍ طويل أن تسافر وحدها إلى الأقصر في فبراير. أربعة أيام فقط. وعادت مختلفة، لا لأن شيئًا حدث، بل لأن شيئًا توقّف عن الحدوث في رأسها.

لماذا الأقصر؟ ولماذا فبراير؟

تقول ميّادة إن اختيارها لم يكن رومانسيًّا. «الأقصر في فبراير فيها طقسٌ جميل، ليست مزدحمة كشهر أبريل، والأسعار معقولة. والأهمّ: لا أحد من معارفي يفكّر أن يذهب إلى هناك في ذلك الشهر. أردتُ مكانًا لا يسألني فيه أحد».

هذه الجملة الأخيرة هي الأهمّ. بعد الطلاق، تعبت ميّادة من «الأسئلة الطيّبة». كيف حالك، كيف الأطفال، هل تفكّرين في شخصٍ آخر، لا تستعجلي، الله يعوّضك. كلُّ جملةٍ بِنيّةٍ طيّبة، لكنّ مجموعها كان ثقيلًا. أرادت أربعة أيّامٍ لا يُقال لها فيها شيء.

اليوم الأول: حوار مع الكرسي الفارغ

وصلت إلى فندقها الصغير قرب كورنيش الأقصر في الخامسة مساءً. طلبت طاولة عشاءٍ منفردة على السطح. قالت لها الموظفة: «واحد أم اثنان يا ست؟». أجابت «واحد»، دون اعتذار. هذه ثاني جملة اعترف ميّادة أنها تعلّمتها في الرحلة: أن تقول «واحد» دون أن تخفّض صوتها.

في العشاء، واجهت الكرسي الفارغ. في السنوات الثلاث الأولى بعد الطلاق، كان الكرسي الفارغ مؤلمًا. في هذا المساء، نظرت إليه طويلًا وابتسمت. «لم يعد يؤلمني. صار جزءًا من المائدة. رفيقَ صمت». هذا التحوّل الصغير هو نفسه الذي تسعى إليه كثيرات.

اليوم الثاني: الكرنك في الصباح الباكر

قامت ميّادة في السابعة، تناولت الإفطار في الفندق، وذهبت إلى معبد الكرنك حين يُفتح. وصلت قبل الحافلات السياحية. كانت تسير بين الأعمدة الحجرية الضخمة مع مجموعةٍ صغيرة فقط من الزوّار.

«لم أتخيّل أنّ حجرًا بعمر ثلاثة آلاف سنة يُمكن أن يُهدّئ رأسي بهذه الطريقة. وقفتُ عند أحد الأعمدة عشر دقائق دون أن أُخرج هاتفي. لا صور، لا رسائل. مجرّد حجر وأنا. شيءٌ في داخلي أخذ نفَسًا طويلًا».

تقول إنها اكتشفت في ذلك الصباح أنّ المشكلة الأكبر بعد الطلاق ليست الوحدة، بل الضوضاء الذهنية. صوت المحامي، صوت الأولاد، صوت الأم، صوت الأصدقاء، صوت الزوج السابق الذي لم يعد يتّصل لكنّه لا يزال في الرأس. أمام عمودٍ فرعوني، هدأت كلُّ هذه الأصوات لربع ساعة. الربع ساعة ذاك كان يستحقّ الرحلة كلها.

اليوم الثالث: الضفّة الغربية وبيت العمّال

عبرت النهر إلى الضفّة الغربية، زارت وادي الملوك، لكنها فوجئت بأنّ الزيارة الأعمق كانت في «دير المدينة»، قرية عمّال بناة المقابر. بيوتٌ صغيرة من الطين، حجرات ضيّقة، بيتٌ كامل في خمسة أمتار مربّعة. ناسٌ عاشوا هنا قبل ثلاثة آلاف عام، أحبّوا، تشاجروا، تطلّقوا أيضًا (العقود موجودة)، ثم ماتوا.

«وقفتُ هناك، مطلّقة في الثانية والخمسين من عمّان، وشعرتُ فجأةً بأنني جزءٌ من سلسلةٍ طويلة جدًّا. الطلاق ليس جديدًا على البشرية. ولا الوحدة. ولا إعادة البدء. هذا الإحساس خفّف عنّي شيئًا لا أعرف كيف أُسمّيه».

العشاء في المقهى المفتوح

في المساء الثالث، جلست في مقهى على الكورنيش، طلبت شاي نعناع وطبقًا صغيرًا. رجلٌ في الستّين، جالسٌ قربها، حاول التحدّث: «حضرتك لوحدك؟ في استراحة من الشغل؟». ابتسمت وأجابت: «لا، لوحدي حقيقةً. أقضي وقتي». قالها بثبات، دون اعتذار. ردّ الرجل بابتسامةٍ محترمة وعاد إلى صحيفته.

«لأوّل مرة منذ الطلاق، قلتُ كلمة "لوحدي" دون أن أُضيف تفسيرًا. لم أقل "زوجي متوفى" أو "ابنتي في الجامعة". قلتُ لوحدي، نقطة. هذه نقطةٌ تركَتْ أثرًا».

اليوم الرابع: الطائرة والعودة

في الطائرة، فتحت دفترها الصغير. لم تكتب شيئًا شعريًّا. كتبت قائمةً بسيطة:

هذه القائمة لا تبدو عميقةً في مقال. هي عميقة في حياة. لأنّ المرأة التي تحمل هذه القناعات تدخل موعدها القادم خفيفة. لا تبحث عن مُنقذ، لا تخاف الوحدة فتتعلّق بمن لا يُناسب، لا ترى نفسها ناقصة.

نصيحة ميّادة لمن تُفكّر في رحلةٍ مشابهة

  1. اختاري وجهة لا يعرف أحدٌ من أصدقائك أنّكِ ذاهبة إليها. لا تُخبري إلا ابنتك أو ابنك البالغ، للأمان. الباقي يعرف بعد العودة.
  2. احجزي فندقًا صغيرًا، لا فندقًا للأزواج. المنتجعات الكبيرة تُشعرك بالوحدة أكثر. الفنادق الصغيرة ذات العائلة المحليّة ألطف.
  3. اطلبي طاولةً لشخصٍ واحد بصوتٍ واضح. العبارة «واحد» بصوتٍ واثق تصنع فرقًا نفسيًّا.
  4. احملي كتابًا ودفترًا. لا تلعبي على الهاتف في المطاعم. اكتبي ولو سطرين في اليوم.
  5. لا تخافي الصمت. الصمت سيكون كثيرًا. وهو صديق، ليس عدوّ.

عادت ميّادة إلى عمّان في مساء الجمعة. لم يحصل شيءٌ روايةٌ. لكنّها في الأسبوع التالي فتحت ملفًّا شخصيًّا على تطبيقٍ للمواعدة، بطمأنينةٍ لم تشعر بها من قبل. لم تكن تبحث عن إنقاذ. كانت تبحث عن رفيق. هذا فرقٌ يعرفه النادل أوّلَ من يعرفه حين تجلس.

مقالات ذات صلة

إعادة بناء التواصل بعد الفقد أو الطلاق

إعادة بناء التواصل بعد الفقد أو الطلاق

Jul 25, 2026
إيجاد الحب مجددًا بعد الخمسين: لا يفوت الأوان أبدًا على بداية جديدة

إيجاد الحب مجددًا بعد الخمسين: لا يفوت الأوان أبدًا على بداية جديدة

Jul 25, 2026
الربيع الثاني: إيجاد الشجاعة لفتح قلبك من جديد

الربيع الثاني: إيجاد الشجاعة لفتح قلبك من جديد

Jul 25, 2026

المزيد من Lifestyle

عرض الكل →